|
التأصيل التاريخي للمذاهب الفقهية الأربعة (1)
هذه بعض الإجابات على بعض الأسئلة التي شغلت بال الناس في القرن الرابع عشر الهجري، مرة بقصد ومرات بغير قصد حتى أصبحت معيارا لتصنيف المسلمين وامتحانا لتقسيمهم وروج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطيعة لا خلاف فيها وان الحق معهم وحدهم وان القائل بغير ما يقولون مارق فاسق منحرف أو على اقل تقدير غير ملتزم ومتساهل أو يتهم بأنه ليس محبا للرسول صلى الله عليه وسلم وانه قاسي القلب وانه كأجلاف الأعراب قديما أو انه منافق زنديق مشرك . سوف نجيب على هذه الأسئلة في هذا العدد والإعداد القادمة إن شاء الله عسى الله إن ينفع بها وان يزيل اللبس بما فيها ونحن نسعى لوحدة المسلمين في هذه الأيام. نسمع كثيرا عن المذاهب الفقهية الأربعة فما هي المراجع المعتمدة لهذه المذاهب التي يمكن لنا إن نتعرف على أقوال المذاهب بالرجوع إليها ؟ الجواب : دراسة المذاهب الفقهية ينبغي إن تكون على يد العلماء بمنهج دراسي متفق عليه من زمن طويل بان يدرس المبتدئ متنا صغيرا في أي من المذاهب الفقهية ثم شرحا مبسطا ثم عرضا للأقوال والأدلة حتى يصل للمراجع الكبيرة في المذهب هذا بالنسبة لطلب العلم . أما بالنسبة للثقافة والإطلاع فالأمر مختلف فمن أراد الإطلاع على كتب المذاهب الفقهية الموثقة التي تجمع أقوال أئمة المذاهب التي يعتمد عليها مروية بالإسناد الصحيح وشروح تلك الأقوال والتعليق عليها وبيان الراجح من محتملاتها وتخصص عمومها في بعض المواضع ويقيد مطلقها في بعض المواقع فله ذلك للإطلاع والاستفادة وفيما يلي بيان هذه الكتب في كل مذهب من المذاهب الأربعة : أولا: كتب المذهب الحنفي : كثرت الكتب المصنفة في الفقه الحنفي على اختلافها من : متون وشروح وفتاوى وغير ذلك ونحن نكتفي بذكر ما اشتهر منها وما كان معتمدا عند علماء المذهب فللكتب عند الأحناف مراتب نذكرها فيما يلي: المرتبة الأولى : كتب المذهب الأصول: كتب مسائل الأصول هي : ظاهر الرواية وظاهر المذهب وهي التي اشتملت عليها مؤلفات محمد بن الحسن من الجامعين والسيرين والزيادات والمبسوط وهذه المسائل هي التي أسندها محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أو أسندها عن أبي حنيفة فقط رحمهم الله تعالى وقد صنف تلك الكتب في بغداد وتواترت عنه أو اشتهرت برواية جمع كثير من أصحابه قد بلغ عددهم مبلغا لا يجوز العقل تواطؤهم على الكذب أو الخطأ في الرواية عنه وهلم جرا إلى أن وصلت إلينا . المرتبة الثانية من كتب المذهب النوادر: كتب مسائل النوادر وهي غير ظاهر الرواية لأنها لم تظهر كما ظهرت الأولى ولم ترو إلا بطريق الآحاد بين صحيح وضعيف كالرقيات والكيسانيات والجرجانيات والهارونيات من تصانيف محمد التي رواها عنه الآحاد ولم تبلغ حد التواتر ولا الشهرة عنه . والرقيات صنفها حين نزل رقة وكان وردها مع هارون الرشيد قاضيا عليها . والكيسانيات رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني والجرجانيات رواها عنه على بن صالح الجرجاني من أصحابه وكتاب المنقى للحاكم الشهيد مجموع كتب محمد في غير رواية الأصول فهو في حكمها كما أن الكافي له أيضا في حكم رواية الأصول كما سبق . ومن ذلك الامالي والجوامع لأبي يوسف وكتاب المجرد للحسن بن زياد ونوادر هشام بن عبيد الله الرازي وغيرهم . نعم قد يكون ما في النوادر اصح مما فيظاهر الرواية باعتبار قوة المدرك وصحة الرواية به لان غالب ما في النوادر قد صحت الرواية به وان كان بطريق الآحاد فإذا صحت الرواية به ولو أحادا وساعدته الدراية قدم على ظاهر الرواية . ألا ترى أن صاحب التحفة قد اختار رواية النوادر وقدمها على ظاهر الرواية في هلال الأضحى حيث قال والصحيح انه تقبل فيه شهادة الواحد . وقد جاء في ظاهر الرواية انه لا يجوز تقليد التابعي مطلقا لكن جاء في رواية النوادر أن قوله كقول الصحابي إذا ظهرت فتواه في زمنهم واقروه عليها واعتمده فخر الإسلام وتابعه بعضهم وجعله هو الأصح . ولذلك فان مرتبة كتب الأصول الستة عند الأحناف كالصحيحين في الحديث ومرتبة كتب النوادر كالسنن الأربعة . المرتبة الثالثة من كتب المذهب الفتاوى : وتسمي الواقعات وهي الكتب التي تحتوي على المسائل التي استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد وأبي يوسف وزقر والحسن بن زياد وأصحابهم وهلم جرا ، مثل كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي فقد جمع فيه فتاوي مشايخه ومشايخ مشايخه كمحمد بن مقاتل الرازي وعلى بن موسى القمي ومحمد بن سلمة وشداد بن حكيم ونصير بن يحيي البلخيين وأبي النصر القاسم بن سلام ومن قبل هؤلاء من أصحاب أبي يوسف ومحمد مثل عصام بن يوسف وابن رستم ومحمد سماعة وأبي سليمان الجوزجاني وأبي حفص البخاري قد يتفق لهؤلاء جميعا أن يخالفوا أصحاب المذاهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم . ومثل مجموع النوازل والحوادث والوقعات لأحمد ابن موسى بن عيسى الكشي والواقعات لأبي العباس احمد بن محمد الرازي الناطفي والواقعات للصدر الشهيد. ثم جمع من بعدهم فتاوي أولئك مختلطة غير ممتازة كقاضيخان في فتاويه والخلاصة والسراجيه والمحيط البرهاني وقد ميز بين الروايات والفتاوي رضي الدين السرخسي في محيطه فبدأ برواية الأصول ثم بمسائل النوادر ثم تلت بالفتاوي . فكتب الفتاوي مخلوطة بآراء المتأخرين فهي اقل درجة من النودار فان ما بها ليس جميعه من اقوال صاحب المذهب وليس له إسناد يرفعه إلى قائله ولا أصحابها في درجة أئمتنا الثلاثة في الفقاهة والعدالة ولا في درجة أرباب المتون من حيث الزهد والورع والعدالة ولا من حيث العلم والاتقان والحفظ والضبط بل إنما جمعها أشخاص من المتفقهين لم يعرف حالهم في الرواية وحسن الدراية . إما ترتيب كتب الحنفية لمقلد المذهب : فاللازم على مقلد مذهب الأحناف أن يأخذ بما في رواية الأصول ثم بما في المتون المختصرات كمختصر الطحاوي والكرخي والحاكم الشهيد فأنها تصانيف معتبرة ومؤلفات معتمدة قد تداولها العلماء حفظا ورواية ودرسا وقراءة وتفقها ودراية وفي النهاية نذكر الكتب التي يعتمد عليها في نقل المذهب ومنها : 1- البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ثمانية أجزاء 2- المبسوط للسرخسي ثلاثون جزءا وللمبسوط نسخ أظهرها وأصحها واشهرها نسخة أبي سليمان الجوزجاني ويقال لها الأصل وقد شرحها جمع كثير من كبار العلماء قال العلامة الطرسوسي مبسوط السرخسي لا يعمل بما يخالفه ولا يركن إلا إليه ولا يفتي ولا يعود إلا عليه وحيث أطلق المبسوط فالمراد مبسوط السرخسي . 3- الجوهرة النيرة لابن على الحدادي العبادي جزاءن 4- العناية شرح الهداية لمحمد بن محمود البابرتي عشرة أجزاء . 5- بدائع الصنائع للكاسائي سبعة أجزاء . 6- رد المختار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين ستة أجزاء . ثانيا : كتب المذهب المالكي : اشتهر من الكتب في مذهب مالك كتاب المدونة ويسمي بالأم وبالمختلطة وهو كتاب جمع ألوفا من المسائل دونها سحنون بن سعيد في القرن الثالث الهجري ومن رواية عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك وابن القاسم هو تلميذ الإمام الذي لازمه أكثر من عشرين سنة ومن الأحكام التي بلغت ابن القاسم مما لم يسمعه من أمامه . وأضاف سحنون إلى ذلك ما قاسه ابن القاسم على أصول الإمام واحتج سحنون لمسائل المدونة برواياتهم موطأ ابن وهب وغيره والحق بذلك ما اختاره من خلاف أصحابه غير المنية عاجلته قبل أن يتمم لك في سائر أبوابها . وعكف أهل القيروان عليها وتركوا الاسدية التي كان دونها القاضي أسد بن الفرات عن ابن القاسم لان ابن القاسم كان قد رجع عن كثير من إحكامها وكتب إلى أسد بن الفرات يعتمد على ما دونه عنه سحنون . فأصبحت مدونة سحنون إماما لكتب المذهب لأنه قد تداولتها أفكار أربعة من المجتهدين الإمام مالك وابن القاسم وأسد بن الفرات وسحنون بن سعيد .
وقام العلماء بشرحها وتلخيصها فشرحها جماعة منهم : اللخمي وابن محرز وابن بصير وابن يونس وشرح ابن يونس جامع لما في أمهات كتب المذهب . واختصرها جماعة منهم : ابن أبي زيد القيرواني وابن أبي زمنين ثم أبي سعيد البرادعي في كتاب التهذيب وعليه اعتماد أهل أفريقيا. وكذلك دون عبد الملك بن حبيب كتاب الواضحة وقد جمعه من رواياته عن ابن القاسم وأصاحبه وانتشرت في الأندلس . وممن شرحها ابن رشد وعلى الواضحة اعتمد أهل الأندلس وكذلك ألف العتبي تلميذ ابن حبيب كتاب العتبية مما جمعه من سماع ابن القاسم وأشهب وابن نافع عن مالك ومما سمعه من يحيي بن يحيي واصبغ واعتمدوا العتبية وقاموا بشرحها والكتابة عليها . وجاء القرن الرابع الهجري ومالكه الصغير حينئذ العالم الكبير ابن أبي زيد القيراوني فقام بجمع ما في المدونة والواضحة والعتبية وما كتب على هذه الأصول وضمنه كتابه المسمي بـ النوادر فجاء جامعا للأصول والفروع . وبقيت الحال على دراسة هذه الكتب إلى منتصف القرن السابع وفيه حل محلها ابن الحاجب المسمي بجامع الأمهات وبالمختصر الفرعي المعروف بمختصر ابن الحاجب وقد جمع مؤلفه الطرق في المذهب من كتب الأمهات فزاحم المؤلفات المنتشرة في ذلك الوقت واعتمده أهل بجاية وأفريقيا وأكثر أهل الأمصار وشرحه ابن راشد القفصي وابن عبد السلام . وشرحه العلامة خليل بن إسحاق بن موسى الجندي احد شيوخ الإسلام وأئمة الإسلام في القرن الثامن في شرحه المسمي التوضيح في ستة مجلدات اعتمد فيه على اختيارات ابن عبد السلام وزاد عليه القول في كثير من الفروع وحل مشكلاته فكان أحسن الشروح وأكثرها فروعا وفوائد كما قاله الحطاب . ثم اختصر العلامة خليل مختصر ابن الحاجب في مختصره المشهور ومن ذلك الحين أصبح مختصر خليل موضع العناية والتدريس والإفتاء وأصبح حجة المالكيين إلى وقتنا هذا وما ذلك إلا لجمعه واستيعابه وتحريره واعتماده حتى إن الناصر اللقاني من شدة متابعة مؤلفه كان يقول إذا عورض كلام خليل بكلام غيره نحن خليليون إن ضل ضللنا . ويقول عن ذلك المختصر ابومحمد الحطاب هو كتاب صغر حجمه وكثر علمه وجمع فأوعي وفاق إضرابه جنسا ونوعا واختص بتبين ما به الفتوى، وما هو الأرجح والأقوى لم تسمح قريحة بمثاله ولم ينسج ناسج على منواله أو كثرت الحواشي والشروح عليه حتى زادت على المائة ونجمل القول في أهم الكتب المعتمدة في فقه مذهب المالكية وهي : 1- المدونة للإمام مالك رواية ابن القاسم وهي أربعة أجزاء . 2- النوادر لابن أبي زيد القيرواني حيث قام بجمع ما في المدونة والواضحة والعتبية وما كتب على هذه الأصول وضمنه كتابه فجاء جامعا للأصول والفروع . 3- مختصر ابن الحاجب المسمي بجامع الأمهات وبالمختصر الفرعي . 4- مختصر الخليل للعلامة خليل الذي اختصر فيه مختصر ابن الحاجب. 5- الشرح الكبير لأحمد الدردير العدوني الذي شرح فيه مختصر الخليل بشرح مشهور متداول اقتصر فيه على فتح مغلقه وتقييد مطلقه وبيان المعتم من أقوال المذهب وبيان ما عليه الفتوى وقد قام العلامة الدسوقي بتعليق حاشيته المشهورة على هذا الشرح ووقع الكتاب بالحاشية في أربعة أجزاء طبعة أحياء الكتب العربية . 6- اقرب المسالك لمذهب الإمام مالك المعروف بالشرح الصغير لأحمد الدردير العدوي هو شرح متوسط اهتم فيه مؤلفه بشرح المعاني اللغوية والشرعية للحدود الفقهية التي في أصله واقتصر على الأقوال والروايات في المذهب مع بيان الراجح منها وتعرضه لذكر الأدلة والبراهين قليل ولا تعرض له المذاهب الأخرى والكتاب يعد من المراجع المعتمدة في المذهب المالكي ولا يستغنى عنه احد من الدارسين في المذهب المالكي ولقد قام العلامة الصاوي بوضع حاشيته عليه ووقع الكتاب في أربعة أجزاء .
|
|
|
|