|
|
|
|
التصوف روح الإسلام (27) تربية الروح واصلاحها
يرتقي التصوف الإسلامي بأهله في مدارج الكمال الأعلى بتهذيب لطائفهم وتنمية ملكاتهم وإصلاح ذواتهم للتعلق بالجناب الأقدس والتخلي عن معوقات الوصول والفناء في جناب الحق تعالى والبقاء به . وفي سبيل ذل لا بد من تصفية وتزكية وتجليه لكل من النفس والقلب والروح فالارتباط بين هذه الطائف الثلاث أمر حتمي لاستشراق الكمال ومن ثم يقول العارف الشيخ نجم الدين داية الرازي ت 654هـ رضوان الله عليه : ( .. فكمال مرتبة الروح جاء في تزكيتها وتصفيتها وتخليتها وتحليتها وتجلياتها بـ أنوار صفات الربوبية حتى تليق لخلافة تلك الحضرة!! وفي هذا المعنى مذاهب مختلفة : وترى طائفة السالكين انه ما لم يحصل تزكية النفس وتصفيتها فلا يتيسر تجليه الروح وتحليتها وتخليتها . وقال طائفة : انه بدون تجليه الروح وتخليتها فانه تتيسر تزكية النفس أيضا على نفس المنوال الذي شرح في فصلى التصفية ويرى المشايخ قدي الله أرواحهم انه ما لم تقض مدة في تزكية النفس فلن تزكى تلك النفس ولن تصفى تماما ولن يتصف أي شخص بتحلية الروح وتجليتها ولن يتخلق بذلك . ولكن حين احكموا النفس في البداية بقيد الشرع فأنهم يتجهون إلى تصفية القلب وتزكيته . وتظهر الألطاف الإلوهية لاستقبال الكرم وتتوالى تصرفات جذبات العناية وفضل فيض الإلوهية من أتاني يمشي أتيته هرولة . وفي لحظة يحصل للنفس الكثير من التزكية والتصفية التي لن تحصل بمجاهدة العمر جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين . أطلاقات الروح في القران الكريم : رصد أئمة العلماء والمفسرين أطلاقات لفظ الروح في القران العزيز على جملة وجوه : فمنها أولا: أطلاقة بمعنى الروحي وذلك في مثل قوله تعالى" ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده وذلك لأنه يقوم في الدين مقام الروح في الجسد. والوجه الثاني: بمعنى القران الكريم كما في قوله تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " وذلك لكون القران سببا في الحياة الحقيقية وبهت حيا القلوب . والوجه الثالث: بمعنى الأمين جبريل عليه السلام كما في قوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك كما سماه بـ روح القدس. والوجه الرابع: بمعنى نور القلب أو الإيمان أو النصر والقوة والثبات كما في قوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه " والوجه الخامس: بمعنى أعظم الملائكة أو ملك موكل على الأرواح أو خلق أخر أعظم من الملائكة وهو المذكور في قوله " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " والوجه السادس: بمعنى المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام كما في قوله : إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . والوجه السابع: بمعنى الشيء الذي تحصل به الحياة التحرك واستجلاب المنافع واستدفاع المضار . وقد ذكر بعض العلماء إن الروح يطلق على النفس لكونها بعض الروح وذلك من قبيل تسمية النوع باسم الجنس نحو تسمية الإنسان بالحيوان مجاز . وهذا يدفعنا إلى السؤال الذي تتفجر عنه عدة أسئلة فيما يتعلق بحقيقة الروح : هل يجوز البحث في ماهيتها ؟ وهل حدد العلماء لها تعريفا جامعا مانعا؟ إن محرر البحث في حقيقة الروح منوط بقوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . فقد روى البخاري في سبب نزولها عن الإمام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه انه قال" كنت امشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة وهو متكئ على عيب أي جريدة نخل إذ من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح فقال : ما رابكم إليه وقال بعضهم لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه . فقالوا سلوه، فسألوه عن الروح فامسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئا فعلمت انه يوحى إليه فقمت مقامي فلما نزل الوحي قال ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي.." وقد تنوعت أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى قل الروح من أمر ربي كما تنوعت في بيان المراد بالسؤال عن الروح اهو سؤال عن ماهية الروح وحقيقتها ؟ أم هو سؤال عنها من حيث كونها قديمة أو حادثة أم من حيث بقائها بعد موت الأجسام أو فنانها. فإذا كان السؤال عن حقيقة الروح فان المراد به اهو عبارة عن موجود داخل الأجسام متولد من امتزاج الطبائه والأخلاط أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب أو هو عبارة عن عرض أخر قائم بهذه الأجسام أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه الأجسام والإعراض . ومن ثم فقد أجاب الله تعالى عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام ولهذه الإعراض وذلك لان هذه الأجسام أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط والعناصر. وأما الروح فليس كذلك بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث . قوله كن فيكونفالوا لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام ولهذه الإعراض؟ فأجاب الله عنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذه الجسد ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فان أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة . وهكذا يبين الإمام الفخر إن قوله تعالى قل الروح من أمر ربي ليس جوابا للسؤال عن ماهية الروح وحقيقتها فان ذلك أمر تعجز العقول عن إدراكه وقد استأثر الله تعالى بعلمه وإنما بين الجواب القراني مغايرة الروح لسائر الأجسام والإعراض بما يفيد انه جوهر بسيط مجرد وهذا من لوازم الحقيقة وليس بيانا لها . ثم انه أوضح كون الجواب عن قدم الروح أو حدوثها بقوله رضي الله عنه وأما المبحث الثاني فهو إن الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى وما أمر فرعون برشيده وقال فلما جاء أمرنا أي فعلنا فقوله قل الروح من أمر ربي أي من فعل ربي وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه إن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هي حادثة وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده . وثمة للعارفين اتجاه أخر في المراد بالسؤال عن الروح انه لم يكن سؤالا عن حقيقتها وماهيتها وإنما عن مصدرها من أين جاءت فكان الجواب القراني مطابقا للسؤال وليس عدولا عنه فقد نقل الإمام الشعراني عن الشيخ الأكبر سلطان العارفين سيدي محي الدين بن عربي قدس الله سره انه قال في الباب الرابع والستين ومائتين من الفتوحات . اعلم إن اليهود لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألوه عن ماهية الروح وإنما سألوه عن الروح من أين ظهر . وفهم بعض المفسرين إن ذلك السؤال عن الماهية وليس كذلك فان اليهود لم يقولوا له صلى الله عليه وسلم ما الروح فان كان السؤال بهذه الصيغة محتملا لكن قد قوى الوجه الذي ذهبنا إليه ما جاء في الجواب من قوله من أمر ربي ولم يقل هو كذا . وقد تمخض البحث عن اتجاهين رئيسين لعلماء والعارفين في تحديد ماهية الروح وبيان ماهيتها وكنهها: الاتجاه الأول: هو عدم الخوض في بيان حقيقتها باعتبارها شيئا استأثر الله تعالى بعلمه والعقل عاجز عن معرفة حقيقتها فهو باب امسك الشارع عنه قال الإمام الجنيد سيد الطائفة الصوفية قدس الله سره الروح شيء استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه احد من خلقه. فلا يجوز لأحد البحث عنه بأكثر من انه موجود . والاتجاه الثاني: لجملة من العلماء والعارفين انه من السر المكتوم عن العامة وقد يباح للخاصة الذين هم أهل الفتح الكبير والكشف الكامل إذ يقول حجة الإسلام سيدنا أبو حامد الغزالي رضي الله تعالى عنه وأما كشف معنى ماهية الروح ومعرفة حقيقتها فهو من السر الذي لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كشفه لمن ليس من أهله . هذا وقد عرف في اصطلاح السادة الصوفية وفرق بين الروح الإنسانية وبين الروح الحيواني فقال: الروح في اصطلاح القوم هو اللطيفة الإنسانية المسماه عند الحكماء بالنفس الناطقة لا الروح الحيواني الذي هو جسم بخاري ينشا عن غليان دم القلب ونجد العالم الرباني سيدي نجم الدين داية ابوبكر عبدالله بن شاهاورالرازي رضي الله تعالى عنه يذكر أقوال الأئمة الراسخين في علم الروح ثم يبين إن أرباب السلوك السائرين إلى الله تعالى يقفون على سر الروح إلى إن ارتقوا في مدارجهم إلى منزل الخفي بشواهد الحق فيقول قدس الله سره : وأنا ما نقل عن الأئمة والعلماء الراسخين في العلم فقال بعضهم انه جسم لطيف وقال بعضهم انه عرض وقال بعضهم انه جوهر قائم بنفسه ولكنه مخلوق. ولما عبروا عن النفس وصفاتها وولوا إلى حريم القلب عرفوا النفس بنور القلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر عرفوا بعلم السر القلب . وإذا عبروا عن السر ووصولوا إلى عالم الروح عرفوا بنور الروح السر . وإذا عبروا عي عن عالم الروح ووصولا إلى منزل الخفي عرفوا بشواهد الحق الروح وإذا عبروا عن منزل الخفي ووصولا إلى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بأنوار مشاهدات الجمال الخفي. وإذا افنوا بسطوات تجلي صفات الجلال عن أنانية الوجود ووصلوا إلى لجة بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى . وإذا استغفروا في بحر الهوية وابقوا ببقاء الاولوهية عرفوا الله بالله ووحدوه حين وجدوه هذا أوان اراداة ماهية كل شيء كما هي . هذا وقت سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق. فحينئذ إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح وقد تحقق للعبد مقام كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش . ففي هذه الحالة كيف يبقى لمعرفة الروح خطر عند من هذه أحواله. |
|
|
|