الطفولة رائدة المستقبل  

بقلم د. أحمد عمر هاشم    

رئيس جامعة الأزهر السابق

 

إذا تساءلنا: ولماذا كل تلك العناية بالطفولة، والاهتمام البالغ بها؟

فإن الجواب هو: لأن الطفولة هى المرحلة الأولى للشباب، ولأن الطفولة هى رائدة المستقبل، وتلح عليه دنيا الحاضر، وتحفز نحوه عبر الماضى ودروسه.

أما بالنسبة للمستقبل، فلأن أطفال اليوم، هم رجال المستقبل، هم العالم والطبيب، والمهندس والمدرس، والقائد.. وهكذا..

وأطفالنا اليوم فى مسئوليتنا، وغدا يحملون المسئولية، وتلك هى سنة الله فى خلقه، فليس لجيل أن يعمل فى الأرض ما شاء، وليس لأحد أن يعيش دنياه كما يريد من العمر الطويل والحياة الممدودة.

ولهذا فكل يسلم الأمانة إلى جيل، وكل عهد يترك الرسالة لمن بعده، فإذا كان الجيل السابق أو العهد السابق واعيا للمستقبل، ناظرا بعين الجد والإخلاص، للأجيال اللاحقة، عنى بالطفولة، وأكد الوصية بها، لأنها هى رائدة المستقبل، فإن كل الأبناء مسلحين بالإيمان، مستنيرين بالعلم، مدعمين بالتجربة والوصايا والنصائح والخبرات وإذا كان الأبناء فى تكوينهم الأول أخذوا الطابع الجاد، وتمرسوا فى خطى حياتهم على العلم والعمل، والإخلاص والخلق الفاضل، والتربية الإسلامية الصحيحة، القائمة على العمل، والقدوة قبل القول والتوجيه، وقامت حياتهم على الإيمان بالله، وانتهاج منهاج الحق والعدل، والجد والاجتهاد، نهضت فى مستقبل حياتها، وتسلمت الرسالة وهى قادرة على حملها، غير هيابة ولا وهنانة.

وإذا كان الجيل السابق واعيا لحاضره معنيا به، فإنه لا تشغله فيه مهمة عن مهمة، ولا رسالة عن أخرى، ولا ينسى فى زحمة الحياة وتكدس الأعمال والمطالب، وضخامة رسالته، وثقل أمانته، لا ينسى مع كل هذا وذاك رسالته تجاه الطفولة، ولا حقوقها، لأنها بحاضرها ووجودها قد أخذت موقعا فى الحياة غيرها هو المسئول عنها، وغدا تكون هى المسئولة عن غيرها وهكذا. وإذا كانت العناية بالطفولة لها هذه الأهمية، فإن أولى الأطفال بالعناية هم أولئك الذين فقدوا آباءهم، فهم فى أشد الحاجة إلى الرعاية الدائمة، والاهتمام الأكيد والصادق، حتى نعوضهم عن الحنان الذى فقدوه، والأبوة التى حرموا منها ولا يتأتى ذلك إلا فى جو يفيض بالرحمة ويعنى بالتعليم.

ولقد عنى الإسلام بالأيتام، وبالتوصية بهم، والنهى عن احتقارهم أو قهرهم قال سبحانه:

{فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} [سورة الضحى: 9-10].

وبشر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كافل اليتيم بمنزلة عالية ودرجة رفيعة، أنه يكون جارا أو قريبا من الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ففى الحديث: "خير بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه". ثم أشار بأصبعيه: "أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا".

إن هذا النوع من الأبناء فى أمس الحاجة إلى الرعاية والإصلاح، ولقد يكون من بينهم عبقرى نادر، أو عالم مصلح، أو صاحب موهبة فائقة، قد يستفيد منه المجتمع لو عنى به ووجهه وعلمه وأحسن تربيته، وقد ينقلب هذا العبقرى النادر أو صاحب الموهبة الفائقة إلى شرير أو مجرم خطير، عندما يترك دون تعليم أو توجيه وحسن تربية، فلا تجد مواهبه من يصقلها، ولا ترى عبقريته من يوجهها إلى الخير والإصلاح، فينزع إلى الشر، ويتفنن فيه، وفى كل وسائله، ويحترف شرورا لا تخطر على البال.

وإذا نظرنا – بعين الاهتمام – إلى الأطفال، بين حاضر يعيشون فيه، وهم فى أمس الحاجة إلينا كآباء وأساتذة ومربين وموجهين ومصلحين، وبين مستقبل سيقدمون عليه، حيث يكونون هم الرجال وهم الرواد، وهم الآباء والأساتذة، إذانظرنا كذلك، دفعنا هذا لأن نولى الطفولة اهتماما بالغا، ونضاعف من رعايتنا وتشجيعنا لأبنائنا، ومن قصور النظر أن يظل بعض الناس ينظرون للطفل على أنه صغير غير مكلف، بسيط لا حاجة لإشراكه فى مهام الأمور ويظل الناس يهملونه حتى ينمو ويكبر، وهوهياب أمام المواقف، عاجز أمام كبار الأعمال، يتخوف من رسالة الحياة، فلا يستطيع أن يضطلع فيها بمهمة كبرى، ولا أن يقوم برسالته فى المستقبل خير قيام، ولهذا نجد فى كثير من مواقع العمل ضروبا من هذا النوع، نرى أصحاب المواهب الكبيرة، وأصحاب المعرفة والخبرة بدقائق تخصص معين، أو فن خاص، قلة محدودة، قد يكونون طاعنين فى السن، فلا يكادون يرحلون عن الحياة، فلا ترى من يقوم مقامهم، وما ذلك إلا لعدم العناية بالصغير، وبالأجيال الصغيرة، لقد ظلت النظرة البسيطة إلى الأبناء فلم يتحملوا المسئولية، ولم يخوضوا معترك الحياة.

ولكن عندما ينظر إلى الطفولة على أنها رائدة المستقبل، وتسلم لها الراية شيئا فشيئا، وتدرب على كل شئ فى كل مرحلة، بما يتواءم مع ميول الأطفال وإدراكهم، وتضاعف لهم برامج التعليم والتوجيه والتربية والتشجيع، فقد تنفتق عقولهم على عبقرية أو موهبة تأتى بالجديد وبالنافع، وباكتشافات تنفع الحياة والمجتمعات.

 

 

العودة