|
من الأبعاد البلاغية لألفاظ القرآن الكريم "بشر"
بقلم المستشار د. عبد الرحيم زلط عميد آداب طنطا الأسبق
وربما بحث اللفظ من حيث السهولة أو الغموض ، فنجد ألفاظا سهلة على اللسان نطقأ، وعلى الوجدان إدراكا ، فترسخ معانيها في الدهن وتحفظ فى ذاكرة الإنسان ، ومنها ما يشذ عن المالوف نطقا، أو عن المدرك فهما ، فيجد الانسان جهدا فى فهم المقصود، وعثرات في إدراك المعنى فينفر الذوق الذاتى أو ما يقال عنه المعنى الفني، وعليه فيتخلص ذهن الإنسان من إدراك هذا المعنى المجهد،أو الابتعاد عنه ولمو إلى حين . والبلاغيرن حين بستعرضون الحفاظ يأتون بما يسمى موازين الكلام المبلاغى ، فيعرهممن اللفظ على مائدة التشبيه بصوره العديدة ، تملسيه مفرد أو مفرد كامل أو بليغ أو تمثيلى أو مركب ، وكلها مصوغة بانفاق البلفاء نحو التراكيب اللفظية منذ فجر البلاغة العربية ، وبعد التشبيا تأتى أجهزة الاستعارة تصريحية أومكنسة، وفيها يبين المبلاغيون كيف تحولت صور التشبيه الى تراكيب الاستعارة ، فإذا تعمق البحث جاء مور الكتابة ، فإما تكون عن موصوف،أو عن نسبة أو كلية مطابقة . وكك هى عناصرالبحث البلاغى الأولى ~ظ والمعانى فى القصة العربية ، وبعدها يأتى علم البديع ومافيه من عدة فى الطباق والمقابلة والتورية والجناس.. الخ. والبلاغيون فى هذا التوصيف للمعانى فى التشكيل اللفظى يحكفون أو يتفقون ، ولكل موره حين يخكف فى أن يبرز حجته وعوامل الاختلاف التى ساقته الي هذا الاعتقاد ، فإن اتفق فلا جناح عليه وقد ضم رأيه مع الجماعة وشهدوا تأصيل الكلام ، واثبات نتائج أبحاثهم ،.ثم يقعدون لكل هذه الأبحاث والأفكار والقواعد البلاغية التى يتبادلها الناس جميعا ، ويتداولونها فيما بينهم أفرادا أواجماعات ، وأحيانا يخضع البلاغيون أبحاثهم لمقاييس النطق والسمع، فيما يسمى بالموسيقى اللفظية ، وربما كانت تلك الموسيقى خارجية ظاهرة فى النطق ، أو كانت خفية يدركها الإنسان بأحاسيسه ومي ما تسمى بالموسيقى الدافلية ،واللبيب من الناس يدرك الموسيقى الخارجية الظاهره فى غير عناء، كما يلحظ الخفية الداخلية بحاسته، ويتعامل معها إخضاعا للشعور وافهاما لمعنى اللفظ التركيبى من الحروف ، أو العلاقات الإعرابية الإبداعية . وقد يلجأ المباحثون البلاغيون الي المقاييس الموضوعة المصنوعة معرفة سابقيهم من رجال اللفة والبلاغة ، وهم من الذين رق إحساسهم، واستيقظ فكرهم فى التقاط اللفظ واخضاعه للمعنى ، وتقعيد ذلك واعرابه ، وتلك المقاييس البلاغية الموضوعة الموروثة المتداولة تخضع لها كل الأعمال اللغوية ، سواء كانت نثرا أو نظما ، أو كانت دراسات للأطفال أو معارف لهم ، أو بحوثا للكبار وتثقيفا لأجيالهم ، فهى خلاصة بحث وفكر لشيوخ البلاغة ورجالها ، وجهد فى استنباط كل مايطلبون بعد الإخضاع للمقاييس والموازين الكلامية البلاغية . واذا كان الأمر بهذه السهولة فى الدراسات البلاغية العربية لكلام البشر فإنها تيسر عليهم العديد من فهم المعانى اللفظية والتراكيب فى فهم ألفاظ القرأن الكريم ، غير أنه ينبفى لمن يتعرض للدراسات القرأنية أن يتجرد من الهوء ، وأن يخلى نفسه تماما من مقاييس التوازن فيما يبحث ، حيث إن ألفاظ القرأن الكريم لها دلالات ليست فى غالبها كدلالات البشر ، وتجمعها معانى تسمو عما ألفوه من لفات وكلمات الانسان ، ومن هنا كان التعمق والفوص ورا ء اللفظ والبحث عن معناه فى محيطات الفكر البشرى، فربما جاء اللفظ فى القرأن الكريم بفير ما اتفق عليه البلاغيون واللغويون ، ويكفى أن يقف الانسان أمام ددشرىءد ومعناه فى القرأن فى الآيات العديدة "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة" "ومن يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله" "ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" الآيات يوسف رقم 20 ، البقرة رقم 07 2 ، لقمان رقم 6 . وهذا تمثيل واضح لتحول اللفظ الى معنى " البيع" وليس الشرا ء . فإذا وقفنا أمام لفظ خفيف "بشر"وهو لفظ رباعى فى هذا العرض يجد الإنسان أن البعد البلاغى فى القرأن لهذا اللفظ فيه الكثير مما ألفه البلاغيون ، وكيف لا يكون ذلك ولفة القرأن سامية المعانى رفيعة المكانة بليفة الدلالة . فلو نظرنا فى محيط البلاغة القرأنية الى لفظ "بشر" لعرفنا مافيه من الإبهار ومايدور حوله من الدلالات المعنوية التى تغيب على الكثير من الناس ، فنجد أن هذا اللفظ يحمل السرور ، وينقله الى السامعين ، وكأنه جائزة فاز بها من يستحقها وهى استشراق لما يجده الانسان من الخير ، وقد دار هذا اللفظ بالأمر أو المضارعة لفعله فى القرأن فى مواقف عديدة منها قوله تعالى فى سورة البقرة الآيات أرقام 25،155،223حيث يقول الحق تبارك وتعالى "وبشر الذين أمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها ثمرة رزقا قالوا هذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون " وقوله تعالى "ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" أما البشارة بثبوت القدم عند الله يوم الحساب وبعده فيكون للمؤمنين الذين صدقوا الرسول ، وصدقوا ماعاهدوا الله عليه من يقين الإيمان ، ومن ذلك ماجاء فى سورة يونس الآية الثانية ددأكان للناس عجبا أن أوحينا الى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين أمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم << كذلك ماجاء فى سورة الحج فى الآيتين رقمى 74، 37حيث يقول الله تبارك وتعالى بشارة الخير "ولكل أمة هعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين " وقوله تعالى "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم وبشر المحسنين" ففى هاتين الآيتين البشارة للمخبتين والمحسنين ، وكلاهما ممن أتوا بخير الأفعال فاستحقوا تلك البشارة بهذه الجوائز ، كذلك جات البشارة للمؤمنين فى الدعوة المحمدية بفضل الله عليهم لقاء تصديقهم وطاعتهم وذلك فى الآية رقم 47من الأحزاب حيث يقول الله تعالى "وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا" كذلك بشارة الخير بالطاعة والإيمان جامت فى الآية رقم 17من سورة الزمر فى قوله تعالى ددوالذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا الى الله لهم البشرى فبشر عباد . الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب" . أما سورة الصف فقد جاعت الآية رقم 13بعد ذكر التجارة الرابحة مع الله تعالى لصدق العبادة بصدق البشرى للمؤمنين الفائزين فى هذه المتاجرة فى قوله تعالى ددوأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ". كذلك من بشارة الخير ماجاء فى سورة أل عمران حيث كانت البشارة بالإنجاب لسيدنا زكريا حين جاعته بشارة الخير من ربه بالإنجاب بعد أن بلفه الكبر، وعقم زوجته ، وهذان أمران يستحيل معهما الانجاب ، لكن إذا كانت إرادة الله فلا راد لها ، فجاء قول الحق "فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين . قال رب أنئ يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر قال كذلك الله يفعل مايشاء" كذلك كانت بشارة الخير بميلاد سيدنا عيسى عليه السلام فى نفس السورة فى الآية رقم ه 4فى قوله تعالى ددإذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين" . كذلك جات بشارة الخير فى سورة الكهف فى قوله تعالى فى الآية الثانية "ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا". كذلك فى سورة الشورى جاءت البشارة للعباد المؤمنين بالخير فى قوله تعالى فى الآية 23"ذلك الذى يبشر الله عباده الذين أمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسرك عليه أجرا إلا المودة فى القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور". ومن بلاغة تلك الكمة القرأنية والتى تفيب على أذهان امحيريئ أنها تتحول الى الإنذار والتحذير، ومن أمكة ذلك دورانها فى سور عديدة من القرأن الكريم منها على سبيل التمثيل من سورة النساء أية رقم 138حيث يقول الحق تبارك وتعالى " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما" وهذه البشارة والإنذار جاءت بعد أن وصفت الآية السابقة كون الناس من الإيمان الى الكفر ثم عودتهم الى الإيماؤ ثم امعانهم فى الكفر بأنهم قد عشقوا النفاق واتخذوه سبيلا "إن الذين أمنوا ثم كفروا ثم أمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا". وكذلك جاء اللفظ فى سورة التوبة يحمل الإنذار والتحذير والوعيد على غير عادة البشارة بالخير والغفران والرضا حيث يقول الحق تبارك وتعالى بعد أن تبرأ من المشركين .. "وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وان توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم" . كذلك جاء اللفظ بهذا المعنى الإنذار والوعيد والتحذير لهؤلاء الذين لاينفقون أموالهم ولايؤدون حق الله للفقرإء والمساكين فيها "يا أيها الذين أمنوا إن كثيرا من الأحباروالرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" فتلك بلاغة البشارة بالعذاب للتحذير والخوف والبعد عن ذلك . أما الآية رقم 21من سورة أل عمران فتحذر بلفظ البشارة الذين يكفرون بأيات الله ويقتلون النبيين وكذلك يقتلون الصالحين من الناس الذين يأمرون بالقسط ويسعون للعدل بين الناس ، وتلك دلالة بلاغية على سمو لغة الانذار بالعقاب ، وكان السياق الانساني فى لغة البشر التحذير والتهديد، ولكن بلاغة اللفظ القرأنى وتحوله الى عكس ما ألفه البشر يجعلنا نقف بفكر محدود أمام بلاغة . اللفظ وطلاقته ، وذلك فى قول الحق تبارك وتعالى "إن الذين يكفرون بأيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم". أما الآية رقم 24من سورة الانشقاق فتتحدث عن الذين كفروا وكذبوا ، فقد تحول اللفظ الى بشارتهم بالتحذير والوعيد والتهدد بالعذاب الأليم ، وذلك فى قول الحق تبارك وتعالى ددبل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يدعون . فبشرهم بعذاب أليم". إن هذا البيان البلاغى فى هذا اللفظ القرأنى يحير العقول، وتقف عنده الأفئدة كيف يتحول اللفظ الى معنيين متضادين، وهذا دليل فردى كبير يؤيد أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرر أكه كقى هذا القرأن من لدن حكيم عليم ، وماعلمه بشر ، وماثقفه انسان ، وانما أفهمه المعني، وأبان له السر البلاغى فى اللفط الذى تحدى به بلاغى العرب أن يكون لديهم القدرة على الإتان بلفظ من مثل ألفاظ القرأن ، ومن هنا كان العجب والتسليم مأنه من حكيم حميد ، وأنه مهما حاول أى مخلوق أن يصل الى صنعأ لفظية تضاهى أو تقترب بلاغيا من لفظ القرأن لعجز واعتراه الذبول .وذا كان للإنسان الحق أن يقف من هذا اللفظ موقف الشكر لله سبحانه وتعالى ، المتأمل فى جمال لفظه وصدق معناه ، وبلاغة محتواه ، فهذا عهد بين المؤمن وربه فما أجمل أن يقف الإنسان عند قوله تعالى "ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذو بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم".
وسبحان من أبرزها وأنبتها، أو أخفاها وحفظها لكيان الإنسان ، جلت قدرته وتعالت حكمته فهو اللطيف الخبير. |
|
|
|